محمد عبد العزيز الخولي

56

الأدب النبوي

الجملة تسعى لإخوانك في إزالة النوائب أو تخفيفها ؛ وقد ضمن اللّه لفاعل ذلك رفع الكرب عنه يوم القيامة ؛ وكرب يوم القيامة شديدة لا تماثل كرب الدنيا ؛ فليس لدرئها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا معونة تقدمها في الدنيا لذوي الحاجة ؛ وقوله : « من ستر مسلما » ، إلخ حث على ستر زلات أخيه المسلم إذا اطلّع عليها ؛ وظاهر هذا الإطلاق يشمل كل زلة صغيرة أو كبيرة مما يوجب الحسد كسرقة وزني وشرب خمر أو لا ، فستر الجميع مطلوب ، ولكن للعلماء في ذلك تفصيل فقالوا ، إذا رأى المجرم أثناء ارتكابه الجريمة تقدم إليه منكرا ، ومنعه منها ما استطاع ، فإن تركه كان آثما لأنه لم يقم بواجب النهي عن المنكر ، ويعتبر كمساعد له على الجريمة ، واللّه يقول : وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ « 1 » ، وإن عرف الجريمة بعد ارتكابها فإن كان مرتكبها من المعروفين بالإجرام وجب عليه تبليغ أولي الأمر « الإدارة أو النيابة » ما لم يخش من ذلك مفسدة راجحة لأن الستر في هذه الحال يدعوه إلى التمادي في الإجرام ، ويجرىء غيره من أهل الفساد على الطغيان ، وإن لم يعرف بالإجرام فالستر عليه مستحب ، ويجوز له تبليغ أولي الأمر ، ولا يكون بذلك آثما ما لم يعرف أنه تاب وأقلع ، فإن التبليغ يحرم عليه وقد قالوا : إن جرح الشهود والرواة والأمناء على الأوقاف والصدقات وغير ذلك من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من اطّلع عليها . ولا يعتبر ذلك من باب الغيبة ، ولا من قبيل هتك العورة . ومدار البحث في هذا الموضوع أن النهي عن المنكر واجب قولا فلا تمكن شخصا من ارتكاب جريمة أو إتمامها إن استطعنا ، وأن العورة أو السيئة إذا كان في الإخبار بها مصلحة للمسلمين أو دفع مضرة عنهم وجب التبليغ لمن يملك التأديب ، وإن كان في الإخبار مجرد الفضيحة ولا مصلحة من ورائه فينبغي الستر خصوصا على الذين لم يعرفوا بالفساد . واعلم أن هناك عيوبا خلقية ، مستورة عن عيون الناس ؛ ويؤلم الشخص أن تعرف عنه ، فالواجب على من اطلع عليها ألا يذيع أمرها فإن الإذاعة إيذاء والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده . وقد وعد اللّه سائر العورات بالستر عليه يوم القيامة ، فلا يفضحه على رؤوس

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 2 .